فتنهض نفسه إلى أن يعلم أو يفكّر أو يتصوّر أو يتخيّل أو يتعمّل كل ما كان استعداده له بالفطرة أشدّ وأ كثر - فإنّ هذا هو الأسهل عليه - ويرك جسمه وأعضاءه إلى حيث ترك وعلى النوع الذي استعداده بالفطرة له أشدّ وأكثر وأكمل -فإِنّ هذا أيضا هو الأسهل عليه. وأوّل ما يفعل شيئامن ذلك يفعل بقوّة فيه بالفطرة وبملكة طبيعيّة» لا باعتياد له سابق قبل ذلك ولا بصناعة. وإذا كرّر فِعْل شيء من نوع واحد مرارا كثيرة حدثت له ملكة اعتياديّة إِمَا خلقيّة أو صناعيّة. (116) وإذا احتاج أن يعرف غيره ما في ضميره أو مقصوده استعمل الإشارة أُوَلا في الدلالة على ما كان يريد ممّن يلتمس تفهيمه إذا كان مَن يلتمس تفهيمه بحيث يبصر إشارته» ثمّ استعمل بعد ذلك التصويت. وأوّل التصويتات النداء - فإنّه بهذا ينتبه مَن يلتمس تفهيمه أنه هو المقصود بالتفهيم لا سواه - وذلك حين ما يقتصر في الدلالة على ما ضميره بالإشارة إلى امحسوسات. م من بعد ذلك يستعمل تصويتات مختلفة يدل بواحد واحد منها على اوحد واحد مما يدل عليه بالإشارة إليه وإلى محسوساته» فيجعل لكل مشار إليه محدود تصويتا ما محدودا لا يستعمل ذلك التصويت في غيره؛ وكلّ واحد من كلّ واحد كذلك. (117) وظاهر أنّ تلك التصويتات إِنا تكون من القرع بحواء النقّس بجزء أو أجزاء من حلقه أو بشيء من أجزاء ما فيه وباطن أنفه أو شفتيه» فإِنّ هذه هي الأعضاء المقروعة بمواء النقّس. والقارع أُوّلا هي القوّة الي تسرّب هواء النقّس من الرئة وتحويف الحلق أوّلا فألا إلى طرف الحلق الذي يلي الفم والأنف وإلى ما بين الشفتين» ثم اللسان يتلقّى ذلك المواء فيضعطه إلى جزء جزء من أجزاء باطن الفم وإلى جزء جزء من أجزاء أصول الأسنان وإلى الأسنان» فيقرع به ذلك الجرءَ فيحدث من كل جزء يضغطه اللسان عليه ويقرعه به تصويت محدود» وينقله اللسان بالحواء من جزء إلى جزء من أجزاء أصل الفم فتحدث تصويتات متوالية كثيرة محدودة. (118) وظاهر أنّ اللسان إِنا يتحرّك أوّلا إلى الجزء الذي حركته إليه أسهل. فالذين هم ف مسكن واحد وعلى خِلّق في أعضائهم متقاربة» تكون ألسنتهم مفطورة على أن تكون أنواع حركاتما إلى أجزاء أجزاءمن داخل الفم أنواعا واحدة بأعياتماء وتكون تلك أسهل عليها من حركاتما إلى أجزاء أجزاء أخر.
ويكون أهل مسكن وبلد آخرء أذا كانت أعضاؤهم على خلق وأمزجة مخالفة للق أعضاء أولئك» مفطورين على أن تكون حركة ألسنتهم إلى أجزاء أجزء من داخل الفم أسهل عليهم من حركتها إلى الأجزاء التي كانت ألسنة أهل المسكن الآخر تتحرّك إليهاء فتخالف حينئذ التصويتات التي يجعلونما علامات يدلّ بما بضعهم بعضا على ما في ضميره مما كان يُشير إليه وإلى محسومه أوّلا. ويكون ذلك هو السبب الأوّل في اختلاف ألسنة الأمم. فإِنٌ تلك التصويتات الأول هي الحروف المعجمة. (119) ولأنٌ هذه الحروف إذا جعلوها علامات أوّلا كانت محدودة العدد» لم تف بالدلالة على جميع ما يتفق أن يكون في ضمائرهم إلى تركيب بعضها إلى بعض بموالاة حرف حرف, فتحصل ف ألفاظ من حرفين أو حروف, فيستعملوتحا علامات أيضا لأشياء أخر. فتكون الحروف والألفاظ الأول علامات محسوسات بمكن أن يشار إليها ولمعقولات تستند إلى محسوسات يمكن أن يشار إليهاء فإِنَّ كلّ معقول كلَي له أشخاص غير أشخاص المعقول الآخر. فتحدث تصويتات كثيرة مختلفة» بعضها علامات محسوسات - وهي ألقاب - وبعضها دالّة على معقولات كلّيّة لها أشخاص محسوسة. وإِنا يُفَهَم من تصويت تصويت أنه دال على معقول معقول متى كان تردّد تصويت واحد بعينه على شخص مشار إليه وعلى كلّ ما يشابمه في ذلك المعقول. ثم يُستعمّل أيضا تصويت آخر على شخص تحت معقول ما آخر وعلى كلّ ما يشابمه في ذلك المعقول.
الفصل الحادي والعشرون: أصل لغة الأمّة واكتمالما. (120) فهكذا تحدث أولا حروف تلك الأمّة وألفاظها الكائنة عن تلك الحروف. ويكون ذلك أوّلا تمن اثّفق منهم. فيتفق أن يستعمل الواحد منهم تصويتا أو لفظة في الدلالة على شيء ما عندما يخاطب غيره فيحفظ السامع ذلك» فيستعمل السامع ذلك بعينه عندما يخاطب المنشئ الأوّل لتلك اللفظة» ويكون السامع الأوّل قد احتذى بذلك فيقع به» فيكونان قد اصطلحا وتواطئا على تلك اللفظة» فيخاطبان بما غيرهما إلى أن تشيع عند جماعة. تم كلما حدث في ضمير إنسان منهم شيء احتاج أن يُفهمه غيره ممّن يجاوره» اخترع تصويتا فدل صاحبّه عليه وسمعه منه فيحفظ كلّ واحد منهما ذلك وجعلاه تصويتا دالاً على ذلك الشيء. ولا يزال يُحدث التصويتات واحد بعد آخر ممّن اثّفق من أهل ذلك البلد» إلى أن يُحدث مَن يدبّر أمرهم ويضع بالإحداث ما يحتاجون إليه من التصويتات للأمور الباقية التي ل يتّفق لما عندهم تصويتات دالّة عليها. فيكون هو واضع لسان تلك الأمّة. فلا يزال منذ أوّل ذلك يدبّر أمرهم إلى أن توضع الألفاظ لكل ما يحتاجون إليه في ضروريّة أمرهم. (121) ويكون ذلك أُوّلا لما عرفوه ببادئ الرأي المشترك وما مُحَسسَ من الأمور التي هي محسوسات مشتركة من الأمور النظريّة مثل السماء والكواكب والأرض ومافيهاء ثم لما استنبطوه عنه» ثم من بعد ذلك للأفعال الكائنة عن قواهم التي هي م بالفطرة» ثم“ للملكات الحاصلة عن اعتياد تلك الأفعال نت أخلاق أو صنائع للأفعال الكائنة عنها بعد أن حصلت ملكات عن اعتيادهم؛ ثمَمن بعد ذلك لما تحصل لهم معرفته بالتجربة أولا ولما يُستنبط عمًا حصلت معرفته بالتجربة من الأمور المشتركة لهم أجمعين» ثم من بعد ذلك للأشياء التي تخصّ صناعة صناعة من الصنائع العمليّة من الآلات وغيرهاء ثم لما يُستخرّج ويوجد بصناعة صناعة: إلى أن يؤتى على ما تحتاج إليه تلك الأمّة. (122) فإن كانت فِطَّر تلك الأمّة على اعتدال وكانت أمّة مائلة إلى الذكاء والعلم طلبوا بفِطرهم من غير أن يعتمدوا في تلك الألفاظ التي بعل دالّة على المعاني محاكاة المعاني وأن يجعلوها أقرب شبها بالمعاني والموجود» وتمضت أنفسهم بفطرها لأن تتحرّى في تلك الألفاظ أن تنتظم بحسب انتظام المعاني على أكثر ما تتأنّى لما في الألفاظ» فيُجتهّد في أن تُعرب أحوالها الشبه من أحوال المعاني. فإن لم يفعل ذلك من اتّفق منهم فعل ذلك مديّروا أمورهم في ألفاظهم التي يشعونما. (123) فيبين منذ أوّل الأمر أن ههنا محسوسات مدركة بالحسن» وأنّ فيها أشياء متشابحة وأشياء متباينة» وأنّ المحسوسات المتشايحة إِنَا تتشابه في معنى واحد معقول تشترك فيه» وذلك يكون مشتركا لجميع ما تشابه؛ ويُعمّل في كلّ واحد منها ما يُعمّل في الآخرء ويسمّى هذا المعقول ا محمول على كثير " الكلَيم " و" المعنى العام ". وأمّا المحسوس نفسهء فك معنى كان واحدا ولم يكن صفة مشتركة لأشياء كثيرة ولى يكن يشابمه شيء أصلاء فيسمّى الأشخاص والأعيان؛ والكلّيّات كلها فتسمّى الأجناس والأنواع. فالألفاظ إذن بعضها ألفاظ دالّة على أجناس وأنواع وبالجملة الكليّات» ومنها دالّة على الأعيان والأشخاص. ولمعانى تتفاضل في العموم والمخصوص. فإذا طلبوا تشبيه الألفاظ بالمعانى جعلوا العبارة عن معنى واحد يعمٌ أشياء ما كثيرة بلفظ واحد بعينه يعم تلك الأشياء الكثيرة» وتكون للمعاني المتفاضلة في العموم والخصوص ألفاظ متفاضلة في العموم والمخصوصء وللمعان المتباينة ألفاظ متباينة. وكما أن في المعاني معاني تبقى واحدة بعينها تتبدّل عريها أفرضي مافي طارية كنك عاق الأنقاكك تروت ف سكروف 216 أعرافة تله عل انكل واعيد ديد كاه حرف يتبدّل لعرض يتبدّل. فإذا كان المعنى الواحد يثبت وتتبدّل عليه أعراض متعاقبة» جُعلت العبارة بلفظ واحد يثبت ويتبدّل عليها حرف حرفء وك حرف منها دالٌ على تغيير تغيير. وإذا كانت المعاني متشابمة بعرض أو حال ما تشترك فيها» جُعلت العبارة عنها بألفاظ متشابحة الأشكال ومتشابحة بالأواخر والأوائل وججعلت أواخرها كلّها أوأوائلها حرفاواحدافجُعل دالاً على ذلك العرض. وهكذا يُطلّب النظام في الألفاظ تحريًا لأن تكون العبارة عن معان بألفاظ شبيهة بتلك المعاني. (124) ويبلغ من الاجتهاد في طلب النظام وشبه الألفاظ بالمعاني إلى أن جُجَعَل اللفظةالواحدة دالّة على معان متباينة الذوات متى تشابحت بشيء ما غير ذلك وعلى أدائها وإن كان بعيدا جدّاء فتحدث الألفاظ المشككة. (125) م يبين لنا شبه الألفاظ بالمعاني» ونحاكي بالألفاظ المعاني التي ليست تكون كا العبارة» فيُطلب أن يُجعل في الألفاظ ألفاظ تعمّ أشياء كثيرة من حيث هي ألفاظ» كما أن في المعاني معان تعمّ الأشياء كثيرة المعاني. فتحدث الألفاظ المشتركة» فتكون هذه الألفاظ المشتركة من غير أن يدل كله واحد منها على معنى مشترك. وكذلك مُجعل في الألفاظ ألفاظ متباينة من حيث هي ألفاظ فقطء كما أنّ المعاني معان متباينة. فتحصل ألفاظ مترادفة. (126) ويُجرى ذلك بعينه في تركيب الألفاظ» فيحصل تركيب الألفاظ شبيها بتركيب المعاني المركّبة التي تدلّ عليها تلك الألفاظ المركّبة» وجل في الألفاظ لمركٌبة أشياء ترتبط بماالألفاظ بعضها إلى بعض مت كانت الألفاظ دالّة على معان مركبة ترتبط بعضها ببعض. ويُتحتى أن يجعّل ترتيب الألفاظ مساويا لترتيب المعاني في النفس. (127) فإذا استقرّت الألفاظ على المعاني التي جُعلت علامات لما فصار واحد واحد لواحد واحد وكثير لواحد أو واحد لكثير» وصارت راتبة على التي جعلت دالّة على ذواتماء صار الناس بعد ذلك إلى النسخ والتجوّز في العبارة بالألفاظ» فعُبّر بالمعنى بغير اسمه الذي جُعل له أولا وجُعل الاسم الذي كان لعنى ما راتبا له دالاً على ذاته عبارة عن شيء آخر كان له به تعلّق ولو كان يسيرا إما لشبه بعيد وإمّا لغير ذلك» من غير أن مُجل ذلك راتبا للثاني دالا على ذاته. فيحدث حينئئذ الاستعارات وامجازات والتحرّد بلفظ معنى ما عن التصريح بلفظ المعنى الذي يتلوه متى كان الثاني يهم منالأوّل» وبألفاظ معان كثيرة يصبّح بألفاظها عن التصريح بألفاظ معان أخر إذا كان سبيلها أن تُقرَن بالمعاني الأول متى كانت تُفَهَم الأخيرة مع فهم الأولى» والتوسّع في العبارة بتكثير الألفاظ وتبديل بعضها ببعض وترتيبها وتحسينها. فيبتدئ حين ذلك في أن تحدث الخطبيّة أولا ثم الشعريّة قليلا قليلا. (1285) فينشأ مَن نشأ فيهم على اعتيادهم النطق بحروفهم وألفاظهم الكائنة عنها وأقاويلهم المؤلّفة عن ألفاظهم من حيث لا يتعدّون اعتيادهم ومن غير أن يُنطّق عن شيء إلا ما تعوّدوا استعمالها. ويمكن ذلك اعتيادهم لها في أنفسهم وعلى ألسنتهم حيٌّ لا يعرفوا غيرهاء حيّ تحفوا ألسنتهم عن كل لفظ سواها وعن كل تشكيل لتلك الألفاظ غير التشكيل الذي تمكّن فيهم وعن كل ترتيب للأقاويل سوى ما اعتادوه. وهذه التي تمكنت على ألسنتهم وفي أنفسهم بالعادة على ماأخذوه ممّن سلف منهم» وأولنك أيضا عن مّن سلفء وأولئك أيضا عن مَن وضعها لهم أولا. بإكمال التي وضعها لهم أولئك. فهذاهو الفصيح والصواب من ألفاظهم, وتلك الألفاظ هي لغة تلك الأمّة» وما خالف ذلك فهو الأعجم والخطأ من ألفاظهم.
الفصل الثاني والعشرون: حدوث الصنائع العامّيّة (129) وبيّن أنّ المعاني المعقولة عند هؤلاء هي كلها خطبيّة إذ كانت كلها ببادئ الرأي. والمقدّمات عندهم وألفاظهم وأقاويلهم كلها أولاخطبيّة. فالخطبيّة هي السابقة أؤلا. وعلى طول الزمان تحدث حوادث تُحُوجهم فيها إلى طب وأجزاء خطّب.ولا تزال تنشأ قليلا قليلا إلى أن تحدث فيهم أوَلا من الصنائع القياسيّة صناعة الخطابة. ويبتدئ مع نشئها أو بعد نشئها استعمال مثالات لمعانى وخيالاتما مفهمة لحا أو بدلا منهاءفتحدث المعاني الشعريّة. ولا يزالينمو ذلك قليلا قليلا إلى أن يحدث الشعر قليلا قليلاءقتتحصل فيهم من الصنائع القياسيّة صناعة الشعر لما في فطرة الإنسان من تحرّي الترتيب والنظام في كل شيء. فإنَ أوزان الألفاظ هي للها رتبة وحسن تأليف ونظام بالإضافة إلى زمان النطق. فتحصل أيضا على طول الزمان صناعة الشعر. فتحصل فيهم من الصنائع القياسيّة هاتان الصناعتان - و هما العامّتان - منالصنائع القياسيّة.. (130) فينشغلون أيضافي الخُطب والأشعار حىٌّ يقتصّوابهما الأخبار عن الأمور السابقة والحاضرة التي يحتاجون إليها. فيحدث فيهم رواة الخُطّب و رواة الأشعار وحمّاظ الأخبار التي اقنّصّت بما. فيكونون هؤلاءهم فصحاء تلك الأمّة وبلغاؤهم» ويكونون همحكماء تلك الأمّة ألا ومدبّروهم والمرجوع إليهم في لسان تلك الأمّة. وهؤلاء أيضاهم الذين يركٌبون لتلك الأمّة ألفاظا كانت غير مرَكّبة قبل ذلك» و يجعلوتما مرادفة للألفاظ المشهورة» وجُنعون في ذلك ويُكثرون منهاء فتحصل ألفاظ غريبة يتعارفها هؤلاء ويتعلّمها بعضهم عن بعض ويأخذها غابرهم عن سالفهم. وأيضا فإِتُّم مع ذلك يعمدون إلى الأشياء التي لم تكن اتّفقتلها تسمية من الأمور الداخلة تحت جنس أو نوع. فرًا شعروا بأعراض فيصيّرون لما أسماء. وكذلك الأشياء التي لم يكن مُحتاج إليها ضرورة فلم يكن اتّفق لا أسماء لأجل ذلك, فإتم يرَكبون لها أسماء » والباقون من تلك الأمّة سواهم لا يعرفون تلك الأسماءء فيكون جميع ذلك من الغريب.فهؤلاء هم الذين يتأمّلون ألفاظ هذه الأمّة ويُصلحون المختكٌ منها. وينظرون إلى ما كانالنطق به عسيرا في أُوّل ما وضع فيسهّلونه؛ وإلى ما كان بشع المسموع فيجعلونه لذيذ المسموع؛ وإلى ما عرض فيه عسر النطق عن التركيبات الذي لم يكن الأولون يشعرون به ولا عرض ف زمانحم فيعرفونه أو يشعرون فيه بشاعة المسموع» فيحتالون في الأمرين جميعا حٌّ يسهّلوا ذلك ويجعلوا هذا لذيذا في السمع. وينظرون إلى أصناف التركيبات الممكنة في ألفاظهم والترتيبات فيها ويتأمّلون أيّها أكمل دلالة على تركيب المعاني في النفس وترتيبهاء فيتحرّون تلك وينبّهون عليهاء ويتركون الباقية فلا يستعملوتما إل عند ضرورة تدعو إلى ذلك. فتصير عندها ألفاظ تلك الأمّة أفصح مما كانت» فتتكمّل عند ذلك لغتهمولساتهم.تمّ يأخذ الناشئ هذه الأشياء عن السالف على الأحوال التي سمعها من السالف» وينشوٌ عليها ويتعوّدها مع من نشّأه؛ إلى أن تتمكن فيه تمكّنا يحفو به أن يكون ناطقا لغير الأفصح من ألفاظهم. ويحفظ الغابر منهم ما قد عمل به الماضي منالحخُطب والأشعار وما فيها من الأخبار والآداب. (131) ولا يزالون يتداولون الحفظإلى أن يكثر عليهمما يلتمسون حفظه ويعسرفيُخُوجهم ذلك إلى الفكر فيما يسهّلونه به على أنفسهم فتُستنبّط الكتابة. وتكون في أل أمرها مختلطة إلى أن تصلح قليلا قليلا على طول الزمان ويحاكى حا الألفاظ وتُّشْبّهِ بما وتّقرّب منها أكثر ما يمكنء على ما فعلوا قديما بالألفاظ بأن قيّبوها في الشبه من المعاني ما أمكنهم من التقريب. فيدوّنون بما في الكتب ما عسر حفظه عليهم وما لا يؤمّن بأن يُنسى على طول الزمان وما يلتمسون إبقاءها على مَن بعدهم وما يلتمسون تعليمها وتفهيمها مَن هو ناء عنهم في بلد أو مسكن آخر.. (132) ثم من بعد ذلك يُرى أنيُحدَثْ صناعة علم اللسان قليلا قليلا بأن يتشوّق إنسان إلى أن يحفظ ألفاظهم المفردة الدالّة بعد أن يحفظ الأشعار الطب والأقاويل المركٌبة» فيتحرّى أن يفردها بعد التركيب» أو أراد التقاطها بالسماع من جماعتهم ومن المشهورين باستعمال الأفصح من ألفاظهم وفي مخاطباته كلّها ومّن قد عنى بحفظ طبهم وأشعارهم وأخبارهم أو ممّن مع منهم؛ فيسمعها من واحد واحد منهم في زمان طويل» ويكتب ما يسمعه منهم ويحفظه. (133) وقد يجب لذلك أن يعلم مَن الذين ينبغي أن يؤخذ عنهم لسان تلك الأمّة. فنقول إِنّه ينبغي أن يؤخذ عن الذين تمكّنت عادتهم لهم على طول الزمان في ألسنتهم وأنفسهم مكنا يحصّنون به عن تخيّل حروف سوى حروفهم والنطق بماء وعن تحصيل ألفاظ سوى المركٌبة عن حروفهم وعن الناطق بما من لم يسمع غير لساتهم ولغتهم أو من سمعها وجفا ذهنه عن تخيّلها ولسانه عن النطق بما. وأمّا من كان لسانه مطاوعا على النطق بأيّ حرف شاء مما هو خارج عن حروفهم وبأيّ لفظ شاء من الألفاظ المركّبة عن حروف غير حروفهم وبأيّ قول شاء من الأقاويل المركٌبة من ألفاظ سوى ألفاظهم فإنّه لا يؤمن أن يجري على لسانه ما هو خارج عن عاداتهم الممكنة الأولى فيعوّد ما قد جرى على لسانه فتصير عبارته خارجة عن عبارة الأمّة ويكون خطأ ولحنا وغير فصيح. فإن كان مع ذلك قد خالط غيرهم من الأمم ومع ألسنتهم أو نطق بما كانالخطأ منه أقرب وأحرىء ول يؤمّن بما يوجد جاريا في عادته أنه لغير تلك الأمّة التي هو منهم. وكذلك الذين كانوا يحصّنون عن النطق وعن تحصيل حروف سائر الأمم وألفاظهم - إذ كانوا يحصّنون عمًا لم يكن عُوّدوه ألا من مخالفة أشكال ألفاظهم وإعرابما - إذا كثرت مخالطتهم لسائر الأمم وسماعهم بحروفهم وألفاظهم؛ لم يؤمّن عليه أن تتغيّر عادته الأولى ويتمكن فيه ما يسمعه منهم فيصير بحيث لا يوثق بما يُسمع منه. (134)ولما كان سكان البيّة في بيوت الشّعر أو الصوف والخيام والأحسية من كا أمّة أجفى وأبعد من أن يتركوا ما قد تمكن بالعادة فيهم وأحرى أن يحصّنوا أنفسهم عن تخيّل حروف سائر الأمم وألفاظهم وألسنتهم عن النطق بحا وأحرى أن لا يخالطهم غيرهم من الأمم للتوخش والجفاء الذي فيهم» وكان سكان المدن والقرى وبيوت المدر منهم أطبع وكانت نفوسهم أشدٌّ انقيادا لتفهّم ما لم يتعوّدوه ولتصوّره وتخيّله وألسنتهم للنطق بما لم يتعوّدوه, كان الأفضل أن تؤخذ لغات الأمّة عن سكان البراري منهم متى كانت الأمم فيهم هاتان الطائفتان. ويُْحرّى منهم من كان في أواسط بلادهم. فإِنّ مَن كان في الأطراف منهم أن يخالطوا مجاوريهم من الأمم فتختلط لغاتحم بلغات أولئك» وأن يتخيّلوا عجمة من يجاورهم. فإِتَُم إذا عاملوهم احتاج أولئك أن يتكلّموا بلغة غريبة عن ألسنتهم؛ فلا تطاوعهم على كثير من حروف هؤلاء» فيلتجئوا إلى أن يعبّروا بما يتأنّى لهم ويتركوا ما يعسر عليهم. فتكون ألفاظهم عسيرةقبيحة وتوجد فيها لكنة وعجمة مأخوذة من لغات أولئك. فإذا كثر سماع هؤلاء ممّن جاورهم من هذه الأمم للخطأ وتعوّدوا أن يفهموه على أنه من الصواب لم يمن تغيّر عادتمم» فلذلك ليس ينبغي أن تؤخذ فق اللغة وقن 1 يكن نري شكاة ازاك الخ هن اسظلهر شكناء (135) وانت قي ذلك على تأقلت أب العرب في هذه الأشياء. فإِنّ فيهم سكان البراري وفيهم سكان الأمصار. وأكثر ما تشاغلوا بذلك من سنة تسعين إلى سنة مائتين. وكان الذي تولّى ذلك من بين أمصارهم أهل الكوفة والبصرة في أرض العراق. فتعلّموا لغتهم والفصيح منها من سكان البراري منهم دون أهل الحضرء ثم من سكان البراري من كان في أوسط بلادهم ومن أشدّهم توحشًا وجفاء وأبعدهم إذعانا وانقياداء وهم قيس وميم وأسّد وطّى ثم هُدَيلء فإن هؤلاء هم مُعظم مَن ثقل عنه لسان العرب. والباقون فلم يؤخذ عنهم شيء لأَتَم كانوا في أطراف بلادهم مخالطين لغيرهم من الأمم مطبوعين على سرعة انقياد ألسنتهم لألفاظ سائر الأمم المطيفة بحم من الحبشة والهند والفرس والسريائيّين وأهل الشام وأهل مصر. (136) فتؤخذ ألفاظهم المفردة ألا إلى أن يؤتى عليهاء الغريب والمشهور منهاء فيُحمَظ أو يُكتبء ثم ألفاظهم اركب ةكلّها من الأشعار والمخُطب. ثم من بعد ذلك يحدث للناظر فيها تأمّل ما كان منها متشابحا في المفردة منها وعند التركيب» وتؤخذ أصناف المتشابمات منها وبماذا تتشابه في صنف صنف منها وما الذي يلحق كل صنف منها. فيحدث لا عند ذلك في النفس كلَيّات وقوانين كلَيّة. فيحتاج فيما حدث في النفس من كليّات الألفاظ وقوانين الألفاظ إلى ألفاظ يعبّر بما عن تلك الكليّات والقوانين حيّ بمكن تعليمها وتعلّمها. فيعمل عند ذلك أحد شيكين: إِما أن يخترع ويركب من حروفهم ألفاظا لم يُنطّق بما أصلا قبل ذلكء وإِمّا أن ينقل إليها ألفاظامن ألفاظهم التي كانوا يستعملوتما قبل ذلك في الدلالة على معان أخر غيرها إِمّا كيف اتّفق لا لأجل شيء وإمّا لأجل شيء ما. وكلّ ذلك تمكن شائع» لكن الأجود أن تسمّى القوانين بأماء أقرب المعاني شبها بالقوانين» بأن ينظر أيّ معنى من المعاني الأول يوجد أقرب شبها بقانون من قوانين الألفاظ فيسمّى ذلك الكل وذلك القانون باسم ذلك المعنى» حي يؤتى من هذا المثال على تسمية جميع تلك الكلْيّات والقوانين بأسماء أشباهها من المعاني الأول التي كانت عندهم أسماء. (137) فيصيّرون عند ذلك لسائنهم ولغتهم بصورة صناعة يمكن أن تُتَعلّم وتُعلّم بقول» وح يمكن أن تُعطى عِلَّل كلد ما يقولون. كذلك خطوطهم التي بما يكتبون ألفاظهم؛ إذا كانت فيها كلّيّات وقوانين أخذت كلها فالئُمس حي تصير يُنطّق عنها ومكن أن تُعلَّم وتُتعلّم بقول. فتصير الألفاظ التي يعبر بما حينئذ عن تلك القوانين الألفاظ التي في الوضع الثاني» والألفاظ الأول هي الألفاظ التي في الوضع الأول فالألفاظ التي في الوضع الثاني منقولة عن المعاني التي كانت تدلّ عليها.
(138) فتحصل عندهم خمس صنائع: صناعة الخطابة» وصناعة الشعرء والقوّة على حفظ أخبارهم وأشعارهم وروايتهاء وصناعة علم لساتحم» وصناعة الكتابة. فالخطابة جودة إقناع الجمهور في الأشياء التي يزاولها الجمهور وبمقدار المعارف التي لهم وبمقدّمات هي ف بادئ الرأي مؤثرة عند الجمهور وبالألفاظ التي هي في الوضع الأوّل على الحال التي اعتاد الجمهور استعمالها. والصناعة الشعريّة تُخيّل بالقوّة في هذه الأشياء بأعيانما. وصناعة علم اللسان نا تشتمل على الألفاظ التي هي في الوضع الأوّل دالّة على تلك المعاني بأعيانما. (139) فلمعتنون بما فالمعتنون بما يُعدّونَ إذن مع الجمهورء إذ كان ليس معان ولا واحد منهم بصناعته هي من الأمور النظريّة ولا شيئا من الصناعة التي هي رئيسة الصنائع على الإطلاق. وقد لا يمتنع أن يكون رؤساء وصنائع رئيسة - وهي الصنائع التي بها يتأنّى تدبير أمورهم - وهي إِمّا صناعة تحفظ عليهم صنائعهم التي يزاولونما ليبلغ كك واحد مما يزاوله منها غرضه به ولا يعتاق عنه؛ وإمّا صناعة يستعملهم بحا رئيسهم في صنائعهم ليبلغ يحم غرضه وما يهواه لنفسه من مال أو كرامة. ويكون منزلته منهم منزلة رئيس الفلأحين. وذلك أن رئيس الفلآحين تكون له قدرة على جودة التأيّ لأن يستعمل الفلأحين وجودة المشورة عليهم في الفلاحة ليبلغوا غرضهم بأصناف فلاحتهم أو ليبلغ هو بأصناف فلاحتهم غرضه وما يلتمسه» فهكذا هو يُعَدَ أيضا منهم. وعلى هذا المثال يكون رئيس الجمهور ومدبّر أمورهم فيما يستعملهم فيه من الصنائع العمليّة وفيما يحفظ عليهم صنائعهم وبالجملة استعمالهم فيها لأنفسهم أو لنفسه أو لحم وله.
فهو أيضا منهم؛ إذ كان غرضه الأقصى هو غرضهم أيضا بصناعته, إذ هي بعينها صناعتهم في الجنس والنوع, إلا أتّما أسمى ما في ذلك الجنس أو النوع. فإذن رؤساء الجمهور الذين يحفظون عليهم الأشياء التي هم بما جمهور ويستعملونهم في التي هم بما جمهور هم من الجمهور» إذ كان الرئيس غرضه في حفظها عليهم واستعمالهم فيها هو غرضهمء بأن يحصل له وحده وبأنيحصل لحم فهو منهم. فإذن رؤساء الجمهور الذين هكذا هم من الجمهور أيضا. فهذه صناعة أخرى من صنائع الجمهور. وهي أيضا صناعة عامّيّة» إلا أنّ أصحابما والمعتنين بما يجعلون أنفسهم من الخواصّ. فإذن ملوك الجمهور هم أيضا من الجمهور.
الفصل الثالث والعشرون: حدوث الصنائع القياسيّة في الأمم (140) فإذا استُوفيت الصنائع العمليّة وسائر الصنائعالعاميّة التي ذكرناها اشتاقت النفوس بعد ذلك إلى معرفة أسباب الأمور ا محسوسة في الأرض وفيما عليها وفيما حوهًا وإلى سائر ما يُحَست من السماء ويظهرءوإلى معرفة كثير من الأمور التي استنبطتها الصنائع العمليّة من الأشكال والأعداد والمناظر في المرايا والألوانوغير ذلك. فينشأ مَن يبحث عن عِلَّل هذه الأشياء. ويستعمل ألا في الفحص عنها وف تصحيح ما يصحّح لنفسه فيها من الآراء وفي تعليم غيره وما يصحّحه عند مراجعتهالطرق الخطبيّة لأتما هي الطرق القياسيّة التي يشعرونبها أولا. فيحدث الفحص عن الأمور التعاليميّة وعن الطبيعة. (141) ولا يزال الناظرون فيهايستعملون الطرق الخطبيّة» فتختلف بينهم الآراء والمذاهب وتكثر مخاطبة بعضهم بعضا في الآراء التي يصحّحها كل واحد لنفسه ومراجعة كلٌّ واحد للآخر. فيحتاج كلّ واحدإذا روجع فيما يراه مراجعة معاندةأن يونّق ما يستعمله من الطرق ويتحرّى أن يجعلها بحيث لا تعائّد أو يعسر عنادها. ولا يزالون يجتهدون ويختبرون الأوثقإلى أن يقفوا على الطرق الجدلية بعد زمان. وتتميز لحم الطرق الجدلية من الطرق السوفسطائية» إذ كانوا قبل ذلك يستعملونما غير متميزتين» إذ كانت الطرق الخطبية مشتركة لهما ومختلطة بحماءفُترفّض عند ذلك الطرق الخطبية ويُستعمل الجدلية. ولأنّ السوفسطائية في الفحص عن الآراء وفي تصحيحها. م يستقرٌ في النظر في الأمور النظرية والفحص عنها وتصحيحها على الطرق الجدلية وتُطرّح السوفسطائية ولا تُستعمل إلآّ عند امحنة. (142) فلا تزال يُستعمّل إلى أن تكمل المخاطبات الجدليّة» فتبين بالطرق الجدليّة أتما ليست هي كافية بعد في أن يحصل اليقين. فيحدث حيئئذ الفحص عن طرق التعليم والعلم اليقين» وفي خلال ذلك يكون الناس قد وقعوا على الطرق التعاليمية وتكاد تكتملأو تكون قد قاربت الكمالء فيلوح لحم مع ذلك الفرق بين الطرق الجدليّة وبين الطرق اليقينيّةوتتميّر بعض التمييز ويميل الناس مع ذلك إلى علم الأمور المدنية» وهي الأشياء التي هي مبدؤها الإرادة والاختيار. ويفحصون عنها بالطرق الجدليّة مخلوطة بالطرق اليقينيّة وقد بُلغ بالجدليّة أكثر ما أمكن فيها من التوثيق حتى كادت تصير علميّة. ولاتزال هكذا إلى أن تصير الحال في الفلسفة إلى ما كانت عليه في زمن أفلاطون. (143) ثم يُتداول ذلك إلى أن يستقرٌ الأمر على ما استقرٌ عليه أيام أرسطوطاليس. فيتناهى النظر العلميّ وثميّر الطرق كلها وتكمل الفلسفة النظريّة والعامّيّة الكليّة» ولاييقى فيها موضع فحصء فتصير صناعة تُتعلم فقطءويكون تعليمها تعليما خاصا وتعليما مشتزكا للجميع. فالتعليم الخاصّ هو بالطرق البرهانيّة فقطء و المشترك الذي هو العامٌ فهو بالطرق الجدليّة أو بالخطبية او بالشعريّة. غير أن الخطبيّة والشعريّة هما أحرى ان تُستعمّلا في تعليم الجمهور ماقد استقرٌ الرأي فيه ويصح بالبرهان من الأشياء النظريّة والعمليّة. (144) ومن بعد هذه كلها يُحتاج إلى وضع النواميس» وتعليم الجمهور ما قد استُتبط وقُرغ منه وصّححّح بالبراهين من الأمور النظريّة» وما استنبط بقوّة التعمّل من الأمور العلميّة. وصناعة وضعالنواميس فهي بالاقتدار على جودة تخييل ماعسر على الجمهور تصوّره من المعقولات النظريّة» وعلى جودة استنباط شيء شيءمن الأفعال المدنيّة النافعة في بلوغ السعادة» و على جودةالإقناع في الأمور النظريّة والعلميّة التي سبيلها أن يعلّمها الجمهور يجميعطرق الإقناع. فإذا ؤضعت النواميس في هذين الصنفين وانضاف إليها الطرق التي بحا يُقنَع ويُعلّم ويؤدّب الجمهور فقد حصلت الملّة التي بما عُلّم الجمهور وأُدَبوا وأُخذوا بكلك ما ينالون به السعادة. (145)فإذا حدث بعد ذلك قوم يتأمّلون ما تشتمل عليه الملّة»وكان فيهممّن يأخذ ما صرّح به في الملّة واضعُها من الأشياء العمليّة الجزئية مسلّمة ويلدمس أن يستنبط عنها ما لم يتفق أن يصرّح بهء محتذيا بما يستنبط من ذلك حذو غرضه بما صبّح به».حدثت من ذلك صناعة الفقه. فإن رام مع ذلك قوم أن يستنبطوا من الأمور النظريّة والعمليّة الكليّة مالم يصرّح به واضع الملّة أوغير ما صرّح به منهاء محتذين فيها حذوه فيما صرّح به»حدثتمن ذلك صناعة ما أخرى» وتلك صناعةالكلام. وإن افق أن يكون هناك قوم يرومون إبطال ما في هذه الملّة» احتاج أهل الكلام إلى قوّة ينصرون بما تلك الملّة ويناقضون اللذين يخالفوتما ويناقضون الأغاليط التي الثُمس بما إبطال ما صرح به في الملّقه فتكمل بذلك صناعة الكلام.
فتحصل صناعة هاتين القوّتين. وبيّن أنّه ليس يمكن ذلك إلا بالطرق المشتركة وهي الطرق الخطبيّة. (146) فعلى هذا الترتيب تحدث الصنائع القياسيّة في الأمم مق حدثت عن قرائحهم أنفسهم وفطرهم.
الفصل الرابع والعشرون: الصلة بين الملّة والفلسفة (147) فإذا كانت الملّة تابعة للفلسفة التي كملت بعد أن تميّرت الصنائع القياسيّة بعضها عن بعض على الجهة والترتيب الذي اقتضينا كانت ملّة صحيحة في غاية الجودة. فَأمًا إذا كانت الفلسفة لم تصر بعد برهائيّة يقينيّة في غاية الجودة» بل كانت بعد تُصحّح آراؤها بالخطبيّة أو الجدليّة أو السوفسطائيّة» م بمتنع أن تقع فيها كلها أو في جلها أو في أ كثرها آراء كلها كاذبة لم يُشْعر بماء وكانت فلسفة مظنونة أو ممهة. فإذا أنشعت 1ه تيد ةللكابحة انلف الفلسقة وفعت قبي 1 لركلقية كوة. ذإذا اعد أيضا كي عن للك الازاء الكاف و اذك مثالاتما مكاتماء على ما هو شأن الملّة فيما عسر وعسر تصوّره على الجمهور» كانت تلك أبعد الحقٌ أ كثر وكانت ملة فاسدة ولا يُشْعّر فسادها. وأشدّ من تلك فسادا أن يأ بعد ذلك واضع نواميس فلا يأخذ الآراء في ملته من الفلسفة التي يتّفق أن تكون ف زمانه بل يأخذ الآراء الموضوعة في الملّة الأولى على أتّما هي الحقّء فيحصلها ويأخذ مثالاتما ويعلّمها الجمهور» وإن جاء بعده واضع نواميس آخر فيتبع هذا الثاني» كان أشدّ فسادا. فالملّة الصحيحة إِنَا تحصل في الأمّة متى كان حصوها فيهم على الجهة الأولى» والملّة الفاسدة تحصل فيهم متى كان حصوها على الجهة الثانية. إلآّ أنّ الملّة على الجهتين إِنَا تحدث بعد الفلسفة, إِمّا بعد الفلسفة اليقينيّة التي هي الفلسفة في الحقيقة وأمَا بعد الفلسفة المظنونة التي يُظَّنّ يما تا فلسفة من غير أن تكون فلسفة في الحقيقة» وذلك متى كان حدوثها فيهم عن قرائحهم وفِطرهم ومن أنفسهم. (148) وأا إن ثقلت الملة من أمّة كانت ها تلك الملّة إلى أمّة لم تكن لما ملة؛ أو أخذت كانت لأثة فأصلحت فزيذ فيها أو أنقص منها أو يرت آلف فبجعلت: لأقة الخرى فأذبوا مما وحَلْمَوها وذتروا يمآ امك أن تخدت اللة فيه قبل أن مضل القلستقة وقبل أن يحصل الجدل والسوفسطائيّة» والفلسفة التي لم تحدث فيهم عن قرائحهم ولكن تقلت إليهم عن قوم آخرين كانت هذه فيهم قبل ذلك, أمكن أن تحدث فيهم بعد الملّة المنقولة إليهم. (149) فإذاكانت الملّة تابعة لفلسفة كاملة وكانت الأمور النظريّة التي فيها غير موضوعة فيها كما هي في الفلسفة بتلك الألفاظ التي يعبّر بما عنها بل إِنَا كانت قد أخذت مثالاتما مكاتما إِمّا في كلّها أو في أكثرهاء ونُقلت تلك الملّة إلى أمّة أخرى منغير أن يعرفوا تا تابعة لفلسفة ولا أنَّ ما فيها مثالات لأمور نظريّة صحّت في الفلسفة ببراهين يقينيّة بل سكت عن ذلك حيٌّ ظنّت تلك الأمّة أن المثالات التي تشتمل عليها تلك الملّة هي الحقّ وأتّا هي الأمور النظريّة أنفسهاء ثم نُقلت إليهم بعد ذلك الفلسفة التي هذه الملّة تابعة لها في الجودة».ل يوم أن نضا تلك الللة الفلشفه ويغاتدها أهلها ويطرعواء ويطائد اهل الفاسفة تلك لله ما 1 يعلموا أن تلك الملّة مثالات لما في الفلسفة. ومتى علموا أَتا مثالات لما فيها لم يعاندوها هم ولكنّ أهل الملّة يعاندون أهل تلك الفلسفة. ولا تكون للفلسفة ولا لأهلها رئاسة على تلك الملّة ولا على أهلها بل تكون مطرّحة وأهلها مطرّحة» ولا يلحق الملّة كثير نصرة من الفلسفة؛ ولا يومّن أن تلحق الفلسفة وأهلها مَضِبَة عظيمة من تلك الملّة وأهلها. فلذلك ربا اضطر أهل الفلسفة عند ذلك إلى معاندة أهل الملّة طلبا لسلامة أهل الفلسفة. ويتحرّون أن لا يعاندواالملّة نفسها بل إِنا يعاندونهم في ظنّهم أن الملّة مضادّةللفلسفة ويجتهدون في أن يُزيلوا عنهم هذا الظنّ بأن يلتمسوا تفهيمهم أنّ التي في ملّتهم هي مثالات. (150) وإذا كانت الملة تابعة لفلسفة هي فلسفة فاسدة ثم قلت إليهم بعد ذلك الفلسفة الصحيحة البرهانيّة» كانت الفلسفة معاندة لتلك الملّة من كل الجهات وكانت الملّة معاندة بالكلّيّة للفلسفة. فكك واحدة منهما تروم إبطال الأخرىء فأيّنهما غلبت وتمكنت في النفوس أبطلت الأخرى أو أيّنهما قهرت تلك الأمّة أبطلت عنها الأخرى. (151) وإذا تقل الجدل أو السوفسطائيّة إلى أمّة لها ملّة مستقرة ممكّنة فيهم فإنّ كل واحد منهما ضار لتلك الملّة ويهوّنما في نفوس المعتقدين لماء إذ كانت قوّة كل واحدة منهما فعلها إثبات الشيء أو إبطال الشيء أو إبطال ذلك الشيء بعينه. فلذلك صار استعمال الطرق الجدليّة والسوفسطائيّة في الآراء التي تمكنت في النفوس عن الملّة يُزيل تمكّنها ويوقع فيها شكوكاويجعلها بمنزلة مالم يصحّ بعد ويُنتظر صحتهاء أو يُنحيّر فيها حيٌ بُظَنّ ا لا تصحّ هي ولا ضدّها. ولذلك صار حال واضعي النواميس ينهون عن الجدل والسوفسطائيّة وومنعون منهما أشدّ المنع. وكذلك الملوك الذين رُيَُوا لحفظ الملّة - أنيّ ملّة كانت - فَإِتُم يشدّدون في منع أهلها ذينك ويحدّروتهم إِيّاهما أشدّ تحذير. (152) فأمًا الفلسفة فإِنَّ قوما منهم حنوا عليها. وقوم أطلقوا فيها. وقوم منهم سكتوا عنها. وقوم منهم تموا عنهاء إِمّا لأنّ تلك الأمّة ليس سبيلها أن تُعلَّم صريح الحقٌّ ولا الأمور النظريّة كما هي بل يكون سبيلها بحسب فِطر أهلها أو بحسب الغرض فيها أو منها أن لا تطّلع على الحقّ نفسه بل إِنَا تؤدّب بمثالات الحقّ فقط أو كانت الأمّة أَمّة سبيلها أن تؤدّب بالأفعال والأعمال والأشياء العمليّة فقط لا بالأمور النظريّة أوبالشيء اليسير منها فقطء وما لأنّ الملّة التي أتى بحا كانت فاسدة جاهليّة لم يلتمس بما السعادة لحم بل يلتمس واضعها سعادة ذاته وأراد أن يستعملها فيما يسعد هو به فقط دونحم فخشى أن تقف الأمّة على فسادها وفساد ما التمس تمكينه في نفوسهم متى أطلق لهم النظر في الفلسفة. (153) وظاهر في كك ملّة كانت معاندة للفلسفة فإنَّ صناعة الكلام فيها تكون معاندة للفلسفة وأهلها يكونون معاندين لأهلهاء على مقدار معاندة تلك الملّة للفلسفة.
الفصل الخامس والعشرون: اختراع الأسماء ونقلها (154) فإذا حدث ملّة في أمّة لم تكن لما ملّة قبلها ولم تكن تلك ملة لأمّة أخرى قبلهاء فإِنّ الشرائع التي فيها بِيّن أكما لم تكن معلومة قبل ذلك عند تلك الأمّة» ولذلك لم تكن لها عندهم أسماء. فإذا احتاج واضع الملّة إلى أن يجعل لما أسماء فإمًا أن يخترع لما أسماء لم تكن تُعرَف عندهم قبله وإِمّا أن ينقل إليها أسماء أقرب الأشياء التي لحا أسماء عندهم شبها بالشرائع التي وضعها. فإن كانت لحم قبلها ملّة أخرى فرثًا استعمل أسماء شرائع تلك الملّة الأولى منقولة إلى أشباهها من شرائع ملّته. فإن كانت ملّته أو بعضها منقولة عن أمّة أخرى فرثًا استعمل أسماء ما تقل من شرائعهم في الدلالة عليها بعد أن يغيّر تلك الألفاظ تغييرا تصير بحا حروفُها وبنْيَئُها حروف أُمّته وبنيتها ليسهل النطق بما عندهم. ولإن حدث فيهم الجدل والسوفسطائيّة واحتاج أهلها إلى أنينطقوا عن معان استنبطوها لم تكن لماعندهم أسماى إذ لم تكن معلومة عندهم قبل ذلكء فإمّااخترعوا لما ألفاظا من حروفهم وإِمّا نقلوا إليها أسماء أقرب الأشياء شبها بما. وكذلك إن حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معان لم تكن عندهم معلولة قبل ذلكء» فيفعلون فيها أحد ذينك.
(155) فإن كانت الفلسفة قد انتقلت إليهم من أمّة أخرى, فإنٌ على أهلها أن ينظروا إلى الألفاظ التي كانت الأمّة الأول تعبّر كما عن معان الفلسفة ويعرفوا عن أيّ معنى من المعاني المشتركة معرفتها عند الأمّتين هي منقولة عند الأمّة الأولى. فإذا عرفوها أخذوا من ألفاظ أُمّتهم الألفاظ التي كانوا يعبرون بما عن تلك المعاني العاميّة بأعياتماء فيجعلوها أسماء تلك المعاني من معان الفلسفة. فإن وُجدت فيها معان نقلت إليها الأمّة الأول أسماء معان عاميّة عندهم غير معلومة عند الأمّة الثانية وليس لها عندهم لذلك أسماء؛ وكانت تلك المعاني بأعياتما تشبه معان أخر عامّيّة معلومة عند الثانية ولا عندهم ألفاظ» فالأفضل أن يطرحوا أسماءها وينظروا إلى أقرب الأشياء شبها بما من المعاني العامّيّة عندهم فيأخذوا ألفاظها ويسمّوا بما تلك المعاني الفلسفيّة. وإن وُجدت فيها معان شُمّيت عند الأولى بأسماء أقرب الأشياء العامّيّة شبها بما عندهم وعلى حسب تَمَيّلهم الأشياء» وكانت تلك المعاني الفلسفيّة أقرب شبها عند الأمّة الثانية على حسب تَخيّلهِم للأشياء بمعان عامّيّة أخرى غير